عبد الرحمن بدوي
32
أرسطو عند العرب
ذاته ويبحث عن هذا ، وأعرض عما لعله يراه من أنه يعقل الأشياء من ذاته ولم يتكلم في ذلك . ثم نقول : إن كان كونه عاقلا وكونه معقولا مختلفا ، فأي الحالين له أفضل ؟ فإن في ظاهر الأمر ليس أن يكون الشئ معقولا هو أن يكون عاقلا ، هذا حق ، أي ليس يجب أن يكون كذلك في كل شئ . وأما أن كونه معقولا كيف ( هو ) مباين لكونه عاقلا ، فذلك غير مسلّم بل كونه معقولا هو أن تكون صورته غير مباينة لشئ غير هيولانى ؛ وكونه عاقلا هو أن يكون صورة شئ غير هيولانى غير مباين له . فإن كان هذا الشئ ذاته ، كان كونه معقولا هو كونه عاقلا ، وإن لم يكن ذاته كان المعقول منه شئ والعاقل شئ ؛ وإما العقل ؛ فلا ثالث في هذا الموضع ، إنما يكون ثالثا في موضع يكون الذي يعقل فيه شيئا « 1 » والذي يعقل فيه شيئا « 2 » ، ثم يكون العقل منه غير الثلاثة ، وذلك لأن العقل إما أنه معنىّ به جوهر الذات الذي من شأنه أن يعقل ، فيكون في ذاته عقلا وبالقياس إلى ما يحصل له زيادة على ذاته عاقلا . فإما أن يعنى به نفس نسبة هذه الذات إلى ما عقل ، وإما أن يعنى به قوة هذه الذات واستعداده . وكيف كان ، فإنه يختلف في الذي يعقل غير ذاته ، ولا وجود لشئ بعينه ، وفي الذي يعقل ذاته ، إلا بمعنى أنه الذي يصح أن يعقل صحة تعمّ الوجوب والإمكان . ثم يقول : فليس الأمر على ذلك ، بل العاقلية والمعقولية في مثل هذا التعقل واحد . ( الفصل العاشر ) ثم عزم على أن يوضح الحال في ترتيب الكل من حيث الأفضل والأحسن ، ومن حيث النظام والعدل . فيقول ما معناه : ليعلم كيف الخبر أن وجود الصانع والفاضل في طباع الكل ، أهو كما نظر قوم أنه مفارق ، أو هو موجود في ذوات الترتيب ، أو هو على أنه جنس لنوعين : مفارق ومخالط ؟ فإنّا نعلم أن الترتيب الجيد يكون له نظام جيد ، ويكون فيه مبدأ هو أول الترتيب ، ليس هو لأجل الترتيب بل الجنس والترتيب كله لأجله . ثم يقول : وقد ترتبت الأشياء كلها في طباع الكل على [ 142 ا ] نوع ما ، ليس على ترتيب المساواة ، فليس حال السباع كحال الطائر ، ولا حالها كحال النبات ، وليس مع
--> ( 1 ) ن : شئ . ( 2 ) ن : شئ .